الشيف نقفور

الشيف نقفور

الشيف نقفور عاشق لكل ما هو طيِّب في الحياة. والطيِّب وفقاً لمعجم المعاني هو كلّ ما تستلذّه الحواس والنفس وكلّ ما خلا من الأذى والخبث. ويقال إنسان طيِّب، كلمة طيِّبة، تربة طيبة، رائحة طيِّبة … كما يقال طيِّب النفس، القلب، الأخلاق… وكلها طيّبات يعشقها الشيف نقفور وسيعبّر عن رأيه بها في موقع آخر لأن هذا الموقع مخصص فقط لما هو طيِّب المذاق من طعام وشراب. للأمانة، الشيف نقفور لم يدرس الطبخ في مدرسة أو معهد ولا يحترف الطبخ كمهنة في مطعم أو مؤسسة. لبناني من عائلة نقفور، في منتصف العمر (لكن في ريعان الشباب)، فخور بمعظم النصف الملآن من كأس الحياة ويتطلع لأن يملأ النصف الثاني المتبقي بكلّ ما هو طيّب للنفس والحواس

قصة الشيف نقفور

يتذكر كم كان أنفه يرقص فرحاً عندما يعود من المدرسة وقبل أن يصل إلى بيته بمسافة عشرين متر تقريباً، يتنشق الرائحة الذكية لأحد أطباقه المفضلة تفوح من مطبخ أمه وهي تنتظر أبناءها بحب وحنان. وعندما سافر للعمل في الخليج منذ ما يقارب الخمسة وعشرين عاماً، أبهرته أمور كثيرة لم يعرفها في لبنان (الغارق في آثار الحرب آنذاك) ومنها أطباق غريبة عجيبة من صيني، هندي، ياباني، إيطالي على سبيل المثال لا الحصر. كان متعطشاً لكل ما هو جديد ومختلف. ولكن ليس كلّ ما هو جديد طيّب! فعاد يحنّ إلى خبز وأطباق أمه وبلده الأم… وكان كلاهما بعيد بعيد. فقرر الخوض في مغامرة الطبخ. نعم مغامرة لأنه في ذلك الزمن لم يكن هناك هذا الفيض من المصادر عن الطبخ من برامج تلفزيونية ومواقع على الإنترنت بل فقط بضعة كتب وصفحات في بعض الجرائد والمجلات النسائية. حتى إذا أراد أن يسأل أمه أو الآخرين ممن يجيدون الطبخ فإن ذلك دونه عقبات. فالإتصال الهاتفي بلبنان لم يكن سهلاً آنذاك عدا عن تكلفته المرتفعة. لكن التحدي الأكبر كان أن الطبخ من إختصاص النساء فما بال هذا الشاب المتعلم يهتم بأمور ليست من إختصاص الرجال؟ فتجنّباً للإحراج قرر العمل بصمت وخوض مغامرة الطبخ منفرداً.

حزم أمره بعد تناوله وجبة دسمة في أحد المطاعم الصينية في فندق فخم يقصده الناس من كل حدب وصوب. وجبة دسمة بكل ما في الكلمة من معنى لم تهضمها لا معدته ولا جيْبه. فتوجه إلى السوبرماركت في اليوم التالي ونصب عينيه هدف وحيد: “بدّي أطبخ شو ما كان. بس المهم أطبخ بالبيت”. بدأ جولته في قسم الخضار وأول ما طالعه كان تلة من الباذنجان وهو من أطباقه المفضلة (محشي بالأرز واللحم وصلصة البندورة). اشترى ما يقارب الدزينة من حبات الباذنجان وبدأ البحث عن “المنقرة” لتفريغ الباذنجان من اللب. وجدها بعد أن شرح للعامل الهندي في السوبرماركت ما الذي يريده بالضبط مستخدماً لغة الإشارات على مدى دقائق. استكمل شراء احتياجاته وسابق الريح عائداً إلى شقته وهو يتخيل طبق الباذنجان المحشي على مائدته. بدأ فوراً بنقر الباذنجان فتعرض نصف حبات الباذنجان لإصابات ما بين بليغة ومتوسطة وطفيفة ولكنه أصر على حشوها جميعاً. باختصار، كانت النتيجة النهائية تشقق جميع حبات الباذنجان ليصبح طبقاً من الأرز بالبندورة وقطع الباذنجان بدلاً من الباذنجان المحشي. وبالرغم من ذلك أكلها بصمت (وشهية) على مدى يومين وكادت أن تكون نهاية مغامرة الطبخ بعد المحاولة الأولى لو لم يحصل ما جدد عزمه على المتابعة

فرصة طيبة

كان نقفور يعمل آنذاك في وكالة دعاية وإعلان لشركات عالمية تبيع بعض أشهر المنتجات الغذائية في العالم. وكانت إحدى الأفكار التسويقية تقوم على توزيع وصفات طبخ مع أحد المنتجات وكانت مهمّته كتابة هذه الوصفات باللغتين العربية والإنجليزية مستعيناً بالمصادر التي وفرتها الشركة فكانت فرصة طيّبة لتخطي الكثير من العقبات وأهمها الإحراج إذا أبدى شاب اهتمامه بالطبخ. ضحك طويلاً حين كتب وصفة الباذنجان المحشي وأدرك ما الخطأ الذي قام به أثناء حشو الباذنجان. أعاد المحاولة وكانت النتيجة نجاة عشر حبات باذنجان من أصل دزينة. وانطلقت مغامرة الطبخ من جديد فتنوعّت الأطباق وتعددت النجاحات دون أن تخلو من إخفاقات. وعندما اكتسب ثقة بأن الأطباق التي يطبخها هي فعلاً طيّبة، ابتدأ يقيم ولائم لأصدقائه تتصدرها أطباق متنوعة من تحضيره. ومع الوقت طوَّر مهاراته وأدواته وأصبح ينتظر عطلة نهاية الأسبوع لكي يمارس هوايته ويجمع الأصدقاء على مائدته. لكن نظراً لظروف العمل وانتقاله للسكن من بلد إلى آخر وكثرة أسفاره ، كان نقفور ينقطع عن الطبخ لفترات دون أن ينقطع حبه لكل ما هو طيّب. وعلى مدى السنين زار بهدف السياحة أو العمل أكثر من أربعين بلداً في أربع قارات وكان يصرّ عند زيارة اي بلد جديد على التعرف إلى الأطباق والطعام التقليدي للبلد الذي يزوره

الأرض الطيبة

في عام 2011 عاد نقفور ليستقر في أرض لبنان الطيبة ليملأ النصف المتبقي من كأس الحياة بكل ما هو طيب فكان هذا الموقع الذي أراد أن يشارك فيه تجربته وأفكاره في الطبخ مع كل من يحب ما لذّ وطاب، على أن يعبر في مواقع أخرى عن آرائه بطيّبات النفس والأخلاق، لأنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان